الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

85

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأحمال . والتجهيز : إعطاء الجهاز . وقوله : ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ يقتضي وقوع حديث منهم عن أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا لكان إنباء يوسف - عليه السّلام - لهم بهذا يشعرهم أنه يكلمهم عارفا بهم وهو لا يريد أن يكشف ذلك لهم . وفي التوراة « 1 » أن يوسف - عليه السّلام - احتال لذلك بأن أوهمهم أنه اتهمهم أن يكونوا جواسيس للعدو وأنهم تبرءوا من ذلك فعرفوه بمكانهم من قومهم وبأبيهم وعدد عائلتهم ، فما ذكروا ذلك له أظهر أنه يأخذ أحدهم رهينة عنده إلى أن يرجعوا ويأتوا بأخيهم الأصغر ليصدّقوا قولهم فيما أخبروه ، ولذلك قال : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي . و مِنْ أَبِيكُمْ حال من ( أخ لكم ) أي أخوّته من جهة أبيكم ، وهذا من مفهوم الاقتصار الدال على عدم إرادة غيره ، أي من أبيكم وليس من أمكم ، أي ليس بشقيق . والعدول عن أن يقال : ايتوني بأخيكم من أبيكم ، لأن المراد حكاية ما اشتمل عليه كلام يوسف - عليه السّلام - من إظهار عدم معرفته بأخيهم إلا من ذكرهم إياه عنده ، فعدل عن الإضافة المقتضية المعرفة إلى التنكير تنابها في التظاهر بجهله به . وَلا تَقْرَبُونِ أي لا تعودوا إلى مصر ، وقد علم أنهم لا يتركون أخاهم رهينة . وقوله : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ترغيب لهم في العود إليه ؛ وقد علم أنهم مضطرون إلى العود إليه لعدم كفاية الميرة التي امتاروها لعائلة ذات عدد من النّاس مثلهم ، كما دل عليه قولهم بعد ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [ سورة يوسف : 65 ] . ودل قوله : خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ على أنه كان ينزل الممتارين في ضيافته لكثرة الوافدين على مصر للميرة . والمنزل : المضيف . وهذه الجملة كناية عن الوعد بأن يوفي لهم الكيل ويكرم ضيافتهم إن أتوا بأخيهم . والكيل في الموضعين مراد منه المصدر . فمعنى فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي لا يكال لكم ، كناية عن منعهم من ابتياع الطعام . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 61 ] قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) وعد بأن يبذلوا قصارى جهدهم في الإتيان بأخيهم وإشعار بصعوبة ذلك . فمعنى سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ سنحاول أن لا يشح به ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ

--> ( 1 ) الإصحاح ( 42 ) من سفر التكوين .